العدو العبري يُعلن تصفية علي لاريجاني..
لاريجاني كان المطلوب الأول للاستخبارات الأميركية والعبرية، ورغم ذلك قاد مظاهرة حاشدة قبل أيام من استهدافه..صورة أيقونية تهزأ من كل خطر، من الرادارات والأقمار الصناعية التي ترصد كل نفس فوق سماء طهران..يختبيء المطلوبون حول أطنان من الحراسات وشبكات التأمين، يتوارون حتى عن أنظار مواطنيهم، أما هو فلم يكترث..أنا هنا، بلحمي وجسدي، متقدمًا صفوف شعبي، وإن وجب الاستهداف، فلتكن رأسي مساوية لرؤوسهم..وكان له ما أراد..
النظام الإيراني الذي ساهم لاريجاني في تصميمه لا يسقط بزوال الأشخاص..تعلّم الإيرانيون الدرس قاسيًا من كل تجارب الاحتلال الأميركي للجيران..لا وجود لقيادة مركزية إن زالت، يزول معها هيكل الدولة..بل نتحدث عن أربع أجهزة أمنية رئيسية تعمل كدولة داخل الدولة، الجيش والاستخبارات والحرس والباسيج..وكل ضلع من المربّع يضم عشرات الأجهزة الفرعية التي تمتلك سلطة اتخاذ القرار من موقعها دون العودة للقيادة المركزية..
الحرس الثوري مثلًا يتكوّن من 32 فيلقًا منفصلًا، من فيلق الإمام الرضا في خراسان، وحتى فيلق عاشوراء في أذربيجان الغربية، ومن فيلق سلمان في بلوشستان، وحتى فيلق الفجر في فارس..ويمتلك كل منها مخازن هائلة للصواريخ والمسيرات وتنتشر على امتداد 1,7 مليون كم مربع..الباسيج الذي أيضًا أعلن عن تصفية قائده غلام رضا سليماني يتألف من قرابة مليوني عنصر، منهم 120 ألف كادر نشط والباقي من الاحتياط، وجميعهم مزود بأسلحة خفيفة ومتوسطة، ولديهم تعليمات واضحة بالاستنفار حال تعرض الدولة للخطر..ليست فنزويلا كما حلم ترامب..ولن تكون..
تُسمى تلك النظرية الأمنية الإيرانية باسم ‘‘الدفاع الفسيفسائي‘‘..لذلك لم تسقط إيران بعد رحيل المرشد وكبار القادة العسكريين، ولن تسقط بعد تصفية لاريجاني وسليماني..كل ما يفعله العدو بعمليات التصفية فقط، هو تحفيز الإيرانيين على مزيد من الصمود..لم يفهم الأميركي المتغطرس بعد ميراث الكرامة في تلك الشعوب، وأن الأرواح أقل ما يمكن أن يقدم في سبيل بقاء الوطن..تبدو تلك المعادلة عصية على فهم لقيط لا يتجاوز عمر وجود بلاده سجادة قديمة في أصفهان..
ولأجل ذلك يُقدّم القادة في الصف الأول أرواحهم..بقى خامنئي في قلب مكتبه، ولم يرحل..تقدم لاريجاني مظاهرة عارمة ولم يجبن..وكلاهما كان يعلم أن أرواحهما هي الوقود الكافي لاستمرار المعركة..وها هي تستمر..19 يومًا من النزال مع أقوى إمبراطورية في تاريخ البشر، والصواريخ لا تتوقف من الفجيرة لأراضينا المحتلة، ومن الكويت إلى قلب أربيل..بل بالعكس زادت حدتها إلى 57 موجة أطلقت فيها ألوف من شاهد وسجيل وخرمشهر وخيبرشكن.. لدرجة أن المختل البرتقالي يعلن النصر ثلاث مرات يومياً، ولا يجد الرد إلا في قلب جنوده على امتداد سبعة دول..
رحل لاريجاني كما يقول العدو..لكنه ترك تلك الصورة الخالدة وترك ما هو أهم منها ألف مليون مرة..رسالة للعالم الإسلامي..أن أميركا والعدو لا أمان لهما..وأن وحدة الأمة الإسلامية لا مفرّ منها لو أرادت شعوبها الحرية..ولم يعلم لاريجاني، ربما، أنه في نفس وقت كتابته للرسالة، كان المسلم إلى يمينه، يُخطط مع العبري على يساره، والأمريكي فوق سمائه، على إزهاق روحه..هذه هي أمتنا، خيانة تلو خيانة، وعمالة تعقب عمالة..
لكن والله هذا الصمود الذي دام 18 يومًا بعد المرشد، قادر على الإكمال أشهرًا لا أمد لها، مهما كان الضحية..حتى وإن كان لاريجاني..الرجل الذي سيروي عنه التاريخ ألف مرّة..أنه وقف بصدره العاري تحت سماء بلاده في عز قصفها في مواجهة 500 طائرة حربية..ولم يأبه..وليس يتمنى المرء مصيرًا أفضل، ولا شجاعة أصلب مما أبداها رجل يحمل درجة الدكتوراة في الفلسفة، لكنه أصرّ حتى الرمق الأخير، أن يكون مشتبكًا..ولعمري هذا في أمة من الخونة لا يُضاهى.