سيهات… يدٌ واحدة وأعمارٌ من ذهب!
في سيهات، لا تُحفظ الذاكرة في الأرشيفات، وإنما تُزرع في القلوب كما تُزرع النخلة في الأرض؛ تمتد جذورها عميقًا حتى تتشابك مع الروح ذاتها. ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، أخذت كرة اليد تنمو في وجدان المدينة كنبعٍ صغيرٍ سرعان ما تحول إلى نهرٍ جارٍ، ثم إلى بحرٍ كاملٍ اتسعت له أحلام الناس وأفراحهم وأمجادهم.
وبينما يرفع العالم بصره نحو ملاعب كأس العالم، تتجه عيون سيهات إلى الكويت، حيث البطولة الآسيوية لكرة اليد؛ فهناك فصلٌ جديدٌ من حكايةٍ طويلةٍ كتبتها المدينة على صفحات الزمن بحبرٍ من العرق والذهب. وكأن للمدينة قلبين؛ أحدهما ينبض في صدور أهلها، والآخر يرتدي قميص الخليج ويخفق كلما دارت الكرة في الملعب.
كرة اليد في سيهات قدرٌ جميلٌ اختار المدينة واختارته، تسللت إلى تفاصيل الحياة حتى غدت أشبه بملح البحر في هواء الساحل؛ لا يُرى لكنه حاضرٌ في كل شيء. ومع توالي العقود تمددت جذورها في الوجدان حتى تربعت على عرش الشعبية، متقدمةً على كرة القدم، لأن الذهب كان يتدفق من بين أصابع لاعبيها، ولأن منصات التتويج اعتادت أن ترى الخليج واقفًا عليها كما يعتاد الفجر أن يزور الأفق كل صباح.
وفي قلب هذه الأسطورة الرياضية يقف الخليج، شامخًا كمنارةٍ تهدي السفن في الليالي العاصفة، وكسفينةٍ عرفت طرق المجد حتى حفظتها الأمواج. نادٍ لم يكتفِ بملاحقة البطولات، وإنما جعل البطولات تعرف طريقها إليه. حمل الكؤوس المحلية والعربية والآسيوية كما يحمل الفارس أوسمته، حتى أصبح اسمه محفورًا في ذاكرة اللعبة كأحد أعمدتها الراسخة، وعنوانًا لا يُذكر تاريخ كرة اليد السعودية إلا ويُذكر معه.
ولأن المجد حين يطول مقامه يتحول إلى أغنية، تغنى به الصوت الجريح الراحل عبد الكريم عبد القادر، محتفيًا بإنجازات الخليج في كرة اليد، في لحظةٍ تجاوز فيها التصفيق حدود المدرجات، وامتد صداه إلى الفن، وكأن البطولات حين تبلغ ذروتها لا تكتفي بأن تُروى، ولكنها تطلب من الألحان أن تحفظها للأيام.
واليوم، يبلغ الخليج نهائي البطولة الآسيوية بعد رحلةٍ نسجها بالإصرار وألوان المجد، حتى صار على مرمى خطوةٍ واحدةٍ من القمة. يمضي والمدينة كلها خلفه؛ شوارعها وبيوتها وذكرياتها وأصوات أطفالها الذين ورثوا عشق اللعبة كما يرثون أسماء العائلة، وكأن سيهات بأكملها ترتدي قميص الخليج وتدخل معه أرض الملعب. تتدلى الكأس في الأفق كنجمةٍ قريبةٍ من يد الحالم، فيما يلوح الذهب كموعدٍ انتظرته المدينة طويلًا، وكثمرةٍ نضجت على أغصان سنواتٍ ممتدةٍ من العمل والتضحيات.
أما طموح سيهات، فليس حدًّا يُبلَغ ولا غايةً تنتهي عندها الأحلام؛ إنه أفقٌ كلما اقتربت منه اتسع، وبحرٌ كلما ظننت أنك بلغت آخره اكتشفت وراء الموج موجًا آخر. ولهذا يبدو النهائي صفحةً جديدةً في كتاب المجد لا خاتمته، فيما تبقى الكأس الآسيوية الموشحة بالذهب هي الحلم الثاني الذي تتطلع إليه القلوب جميعًا. تنتظرها مدينةٌ جعلت من كرة اليد لغتها الخاصة، ومن الانتصارات جزءًا من ذاكرتها، ومن الخليج رايةً ترفرف فوق سنواتها الجميلة؛ فإذا عاد بالذهب، بدا الأمر كأن الحكاية قد عادت إلى موطنها الطبيعي، وكأن يدًا من سيهات قد امتدت مرةً أخرى لتصافح المجد!