أعرف علاقة زينب بوالدها، وأحفظها عن ظهر قلب. وأعرف أن الخبر، من دون أي إضافات، أثقل عليها من حمل الجبال. ومع ذلك، أعي جيّدًا أن الحاج عماد ياسين، شهيد الغدر الذي استهدفه العدو أثناء تفقّده مزرعته ومصالحه الاقتصادية، زرع في زينب خليطًا من القيم الأصيلة: الحنان، والحب، والشجاعة، والصمود، والأهم التمسك بخط الحق ورفض الظلم مهما كان الثمن، حتى لو كان الثمن التضحية بأغلى من نملك وما نملك.
الحاج عماد ياسين، شهيد الغدر، يلخّص في سيرته ما يمكن اعتباره تجسيدًا للخير في رجل: الأب المربّي الحنون، والجنوبي المقاوم الأصيل، والأخ والقريب العطوف، والأهم، الآدمي ابن الأصول.
هذه الحرب سرقت منّا كثيرين على درب الحق.
كل العزاء لزينب، والله يمنّ علينا جميعًا بالصبر.
عند دخول الهدنة المزعومة الأولى حيّز التنفيذ، كان والدي من أول الواصلين إلى الجنوب..
توجّه من بيروت إلى بلدة الكفور للاطمئنان على مزارع دواجن العائلة..
وفور وصوله أرسل على المجموعة الخاصة به وبأعمامي على واتساب أن مزارع الكفور بخير..
ثم توجه إلى بلدتنا شوكين واطمأنّ على منازل العائلة، وأيضا أرسل لأعمامي أن المنازل بخير..
بعد ذلك، شقّ الطريق إلى بلدة عدشيت، مسرعاً إلى مزارع العائلة، لأنها ثقل الشركة التي بناها بيده، حجراً على حجر، يعرف كل تفصيل فيها، كل مسمار أين دُق، وما شكله وما نوعه..
وبقي هناك..
وعند كل فقسة بيض، كان يجمع البيض الجديد بيده، يعربه، ينظّفه، يعلّبه، يذهب به إلى الغازية، يبيعه، ثم يكمل طريقه إلى بيروت، يبيت ليلته معنا.. وبعد صلاة الفجر، يشق طريقه نحو الجنوب مرة أخرى..
وكانت عبارته الشهيرة: "هيدا الرزق لمين منتركه؟ أنا بدي اتركلن ياه وفلّ؟" - في إشارة إلى العـ.ـدو الإسـ.ـرائيلي- ..
هذا هو والدي.. لم يتركه أرضه، لم يترك وطنه.. واستـ.ـشهد دون رزقه..
قتـ.ـلته مسيرة إسـ.ـرائيلية أثناء عمله على إصلاح مولد الكهرباء في مزرعته.. لأنه كان يرفض أن يترك ما هو حق له..
ولكل من يسأل: "شو كان عم يعمل فوق؟"
سؤالكم باطل… وجوده في أرضه طبيعي وحق له.. الأجدى بكم أن تسألوا: "لماذا استطاعت إسـ.ـرائيل أن تُمعن في إجـ.ـرامها؟
والجواب تأخذونه من رئيس الآخرين على أرضنا.