(رحيلٌ لم يُمهَّد له)
انتهى العزاء، وعادت الأيام إلى سيرتها المعتادة، غير أن بعض الغياب أثقل من أن يحتويه الزمن، وبعض الراحلين يتركون في النفس فراغًا لا تملؤه الكلمات. لذلك، أبيتُ إلا أن أكتب عن (أشرف العامري) بعد أن هدأت المجالس؛ لأن الطيبين لا يمر رحيلهم عابرًا، ولا يُختصر أثرهم في واجب عزاء أو كلمات مواساة.
لقد عرفتُ أشرف أخًا عزيزًا في جامعة السلطان قابوس، وكانت ابتسامته أول ما يسبق حديثه في عمادة القبول والتسجيل، ولم يكن ممَّن يتكلفون اللطف، بل كان قريبًا من الناس بفطرته، بسيطًا في تعامله، كريمًا في أخلاقه، حتى غدا من الوجوه التي تألفها النفوس سريعًا، ولم أعرفه يومًا مُترددًا في مساعدة أحد، بل كان يبادر إلى قضاء حوائج الناس بصدر رحب ودون ضجر أو تكلف، وكأن خدمة الآخرين جزء من سجيته لا مُجرد واجب وظيفي، فيخرج من عنده المرء وهو أكثر طمأنينة ممَّا دخل، ومثل هؤلاء لا يُدرك الإنسان قيمتهم إلا حين يغيبون، فثمَّة أشخاص يمرُّون في الحياة مرورًا خفيفًا، وآخرون يتركون في الأرواح أثرًا عميقًا لا تمحوه الأيام، وكان أشرف - رحمه الله- من الصنف الذي يرحل جسدًا وتبقى سيرته حيَّة في دعوات الناس ومحبتهم الصادقة.
إن موت الأصحاب، ووصول الأخبار في غفلة من العُمر، يوقظ في النفس معنى الفقد، وهشاشة هذه الحياة، فما بين لقاء الأمس وخبر الرحيل مسافة قصيرة تختصر حقيقة الدنيا كلها؛ نمضي فيها ونحنُ نظن أن الوقت طويل، ثم تُفاجئنا الأيام بأن الأعمار أقصر ممَّا نؤمل، وأن الإنسان لا يبقى منه في النهاية إلا أثره الطيب وسيرته بين الناس.
رحم الله أشرف رحمة واسعة، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدَّمه من خير ومعروف في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه وزملاءه جميل الصبر والسلوان، وأبقى ذكراه الطيبة شاهدًا على حياةٍ عُرِفتْ بالنُّبل والخُلق الحسن.