فهم المعاملات المالية يحتاج أرضية قوية في عدة علوم مثل:
النحو واللغة
أصول الفقه
القواعد الأصولية والقواعد الفقهية والمقاصد الشرعية
وأنصح من يريد أن يتذوق لذة فقه المعاملات المالية بقراءة الكتب الآتية:
drive.google.com/file/d/1o06…
وآمل تفضيلها ونشرها لكونها جمعت بعد جهد سنين طوال.
"صدمة حمزة السالم"
قضيت سنوات من عمري في دراسة علوم الشريعة قبل أن أدرس الاقتصاد
كنتُ غارقاً في روضة الناظر وشروح زاد المستقنع وفي كثيرٍ من المتون التي ظننتُ أن السبيل لفهم المعاملات المعاصرة يختبئ بينها
يوماً من الأيام وقعت عيني مصادفة على مقالة لرجل لا أعرفه حينها اسمه د.حمزة السالم
مقالة قصيرة لكنها حملت في طياتها ما يشبه الانفجار العقلي
كان يقول بهدوء العارف الواثق لا بصخب المشاكس اعتراضات قوية على الفتاوى الدارجة في مسائل الربا والبيوع مستنداً إلى أدلة دامغة وخطاب متماسك ويستدل بأدلة شرعية ومنطق سليم لكنه يخالف ما رسخ في عقولنا وتصوراتنا
تجمدت كأنما تلقّيت صفعة على وجهي
سنوات وأنا أقرأ وأحفظ وأكرر وأسير في قافلة منضبطة ظاهراً لكنها لا تجرؤ على طرح الأسئلة الكبيرة
كيف لم ألحظ هذا الاشكالات الواضحة؟ كيف مرّ علي هذا القياس دون أن أرى ما فيه من تناقض منطقي وشرعي؟
كنت أظن أني أفكر فإذا أنا أكرر
أو أحرر فإذا أنا أقلد
لكن قاومت هذه الصفعة
فلم تجعلني أُسلّم لكلامه من اللحظة الأولى
لم أُغلق كتبي القديمة ولم أبدّل موقفي بل فعلت ما يفعله كل من صُدم في يقينه
بدأت أبحث
سألت بعض مشايخي وطرحت عليهم كلام د. حمزة بتجرّد وسألتهم:
أين الخلل؟ ماهو الرد؟
كنت أتمنى أن أجد جواباً يقنعني، يرمم ما تصدّع، أو يزيل ما التبس
لكنني في كل مرة كنت أخرج من النقاش بأكثر من السؤال الذي دخلت به
لا أسمع رد حقيقي بل تفريعاً وتشقيقاً وخلطاً بين المذاهب والمقاصد والاحتياط وكأننا نُداري الخلل لا نعالجه
ولم أعبر باب القناعة بطرح د. حمزة بعد ذلك مباشرة
بل جرّبت طرق أخرى، وقرأت ما كُتب رداً عليه فوجدت أن أغلب ما قيل ردود ضعيفة مكررة وأخرى غير ملاقية وبدون إجابات واضحة وكانت ملئية بالتشكيك في شخص الرجل وكأنه "غير متخصص" واستصغاراً له وهي حيلة من لا يملك جواباً فيحوّل النقاش من الفكرة إلى صاحب الفكرة
وحين اختبرت تلك الردود بعين التحقيق والمقارنة والتدقيق لا بعادة التفكير السائد اكتشفت أن ما كنت أعدّه يقيناً لم يكن إلا بناءاً هشاً صنعته العادة، لا الفهم
وأن هذه الأسس تنهار كلها عند أول اختبار جاد
وكلما طال بحثي زاد يقيني أن ما قاله د.حمزة لم يكن رأياً شاذاً بل امتحان صريح لمنهجنا الفقهي نفسه
هل نفكر ؟ أم نكرر؟
لقد فتح كلامه باباً كبيراً لكني لم أعبره إلا بعد أن سلكت طرق متعددة وسمعت مختلف الآراء وخضت رحلة طويلة من المراجعة
وفي النهاية وجدت أن كل تلك الردود ليست إلا كلاماً يُستهلك… ولا يجيب
لكن الحمدلله أني في الأخير لم أجد حرجاً أن أقول: كنت مخطئاً
بل وجدت في الاعتراف جمالاً لا يعرفه إلا من ذاق لذّة الوصول إلى شيء كان يتردد في الصدر
بدأت بعد ذلك أعيد قراءة ما كنت أحسبه من المسلمات أفتح كتب الأصول لا لأتتبع المصطلحات والتعريفات بل لأتتبع العقل الفقهي الذي أنتجها
وبدأت أقرأ للدكتور حمزة لا من باب المخالف الذي أبحث له عن زلة بل من باب الطالب الذي تأخر كثيراً عن الدرس
ولما قرأت كتابه" اقتصاديات أصول فقه الزكاة "
تأكدت وزاد يقيني مع كل صفحة ومع كل جملة أن الرجل لم يكن باحثاً عن فتوى شاذة ولا صاحب رأي مثير للجدل بل كان مشروعاً معرفياً يُعيد بناء الفقه من جذوره
لم يكن يسير خلف الجمهور ولا يتكئ على مذهب بل كان يستنطق النص ويسائل العلة ويفرز بين الفهم والاتباع وبين النقل والاستنباط
وهنا فهمت لماذا ضاق به كثير من أهل الفقه المتعصبين لمشايخهم وأقوالهم:
والجواب لأنه أحيا فيهم شعور الخوف من زعزعة القواعد والفتاوى التي طالما رددوها دون مراجعة ودافعوا عنها تقليداً وتعصباً
واليوم وأنا أنظر في مسيرتي المعرفية لا أجد لحظة فاصلة بحجم تلك الصفعة
صفعة أيقظتني من نوم عميق اسمه الاطمئنان إلى المألوف
وقد يقول قائل: أتبالغ؟
فأقول: بل أقصر
فما قدّمه د. حمزة في مسائل الربا والزكاة ومعنى العلة والسبب والشرط والمانع لا يقدَّر بثمن لا لأنه فقط خالف بل لأنه أصاب جوهر الخلل في الفقه : خلط المفاهيم والتناقضات والانتصار للمذهب قبل التأصيل الفقهي
ولست أكتب هذا تزكية لشخصه فهو غني عن مدحي بل لو أنصفه الناس لجعلوا من كتبه أبواباً لإعادة بناء فكر المعاملات ولرأوا فيها ليس فقط اجتهاداً فقهياً بل منهجاً معرفياً يعيد ترتيب العلاقة بين الفقه والواقع، بين النص والمقصد، بين الموروث والمعقول
أنا اكتب اليوم لأنسب الفضل لأهله وليس من الشجاعة أن نعترف له بالفضل بعد أن يغيب بل الشجاعة أن نقولها الآن: لقد كان صاحب منطق وحجة، دقيقاً في علمه، جريئاً في طرحه، أميناً مع النص ولو خالفه الناس جميعاً
وإن كان بعضهم قد ضاق صدره بفكره فحسبه أن كثيراً من الشباب والباحثين وجدوا فيه صوتاً يبحث في أسئلتهم ويربك اليقين الكسول الذي نشؤوا عليه ويمنحهم الشجاعة على النظر من جديد
فشكراً لك يا دكتور حمزة