..وفي اختزال أمر التعليم العالي الذي تُعنى به الجامعات، في كونها مصنعًا لتخريج الموظفين؛ تفريغ لقيمة العلم من جوهرها، وتهوين من شأن المعرفة. وجعل المخرجات الوظيفية معيارًا وحيدًا — أو رئيسًا— للحكم على جدوى التعليم في تخصصاته وحقوله كافة، وبذلك تتضاءل قيمة التكوين العقلي، وهو الفاعل في صناعة المعرفة. وفي هذا الإطار تتشكَّل السياسات التعليمية والبرامج الخاصة بها، على نحو يغلب عليه الطابع الإجرائي، الذي يقدِّم المهارات المباشرة على بناء الأصول، ومن ثَمَّ تتحوَّل المقرَّرات العلمية إلى وحدات قابلة للقياس السريع، ويصبح التقويم أداة فرز، وليس أداة كشف وتنمية. ويتبدَّل موقع البحث من كونه مولِّدًا للأسئلة وموسِّعًا لآفاق الفهم، إلى كونه تابعًا لمطالب السوق، وينعكس ذلك على بنية المعرفة داخل الجامعات نفسها، وعلى قيمة المعرفة ذاتها في الذاكرة الجمعية. وعندما يضعف الاهتمام بالأقسام والتخصصات النظرية، وتتعرَّض العلوم الأساسية لضغط مستمر، يضعف الاتصال بين الحقول المعرفية، ويفقد التعليم توازنه بين التخصُّص والتكامل. وينسحب فقدان التوازن من جهة أخرى على الطالب أيضًا، عندما يُنشَّأ على أنَّ التعليم هو طريق للوظيفة فقط، فيصرف جهده ويحصره فيما يساعده على اجتياز الاختبارات ومتطلبات التوظيف، وليس أي شأن أو هدف آخر. فيضعف اهتمامه ببناء الملَكَة العلمية، والتكوين المعرفي. ولا يقف الأثر السلبي عند هذه الحدود وحسب، وإنَّما يمتد إلى دور الجامعات في محيطها الثقافي، عندما ينحسر إسهامها في تشكيل الذائقة العلمية، ويتراجع حضورها في محيطها الوطني، وتتدنَّى صلتها بقضايا المجتمع التي تحتاج عمقًا في الفهم، وتراكمًا في البحث. ويتغيَّر تصورنا نحن لدور الجامعات؛ من كونها فضاء لإنتاج المعرفة وصناعة الوعي، إلى مؤسسة تدريبية للتوظيف؛ تتحكَّم فيها احتياجات السوق واقتصادياته، أكثر من غايات العلم الكبرى، وقيمه، في المعرفة والفهم وبناء الإنسان. وبذلك تضيق رسالة الجامعة، ويتراجع أثرها في تجديد الفكر، وتكوين العقول القادرة على السؤال والنقد والإبداع.
المسألة ليست ترفًا أكاديميًا ولا جدلًا نظريًا حول “جدوى” اللغة العربية و مسؤوليتنا التاريخية و الحضارية تجاهها ، فتلك هي حقيقة الموقعٍ الحضاري والدورٍ التاريخي. فحين تحتفظ جامعات كبرى مثل أكسفورد و هارفارد و السوربون بأقسام قوية للغة العربية والدراسات الإسلامية، فإن ذلك لا يُضعف مكانة المملكة العربية السعودية، بل يكشف فراغًا كان ينبغي أن تتصدر هي لملئه بوصفها مهد العروبة ومهبط الوحي.
المملكة لا تمتلك مجرد ميزة نسبية، بل تمتلك أصل الحكاية: الأرض التي انطلقت منها العربية إلى آفاقها، والدين الذي تشكّل به وجدان أمةٍ بأسرها. غير أن هذه الرمزية، مهما بلغت قوتها، لا تتحول تلقائيًا إلى قيادة معرفية. فالتاريخ يمنح الشرعية، لكنه لا يضمن الاستمرار. ومن هنا، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق الجامعات السعودية ليست تعليمية فحسب، بل حضارية بامتياز.
إن الجامعات في المملكة مطالبة بأن تعيد تعريف دورها في هذا السياق: أن تكون هي الحاضنة لتجديد علوم اللغة العربية، لا مجرد حافظٍ لتراثها؛ وأن تتعامل مع العلوم الشرعية بوصفها حقولًا معرفية قابلة للتطوير والتفاعل مع أسئلة العصر ، لا بوصفها معارف مكتفية بذاتها. فاللغة العربية اليوم تحتاج إلى أن تُقرأ في ضوء اللسانيات الحديثة، وأن تُربط بتطبيقات الذكاء الاصطناعي ، وأن تتحول إلى أداة إنتاج معرفي عالمي ، لا مجرد وعاءٍ ثقافي تقليدي.
كما أن الريادة تقتضي أن تتحول الجامعات السعودية إلى قبلةٍ علميةٍ للباحثين من مختلف أنحاء العالم في اللغة العربية و علوم الشريعة ، عبر برامج دولية، ومنح نوعية، وشراكات بحثية تتجاوز الحدود. فالمسؤولية التاريخية يحب أن تُترجم إلى مؤسسات فاعلة، ومشاريع علمية منتجة، وحضور عالمي مؤثر.
المملكة، بما تمثله من مركزية دينية ولغوية، ليست أمام خيارٍ بين الحفاظ والتحديث، بل أمام ضرورة الجمع بينهما. فإما أن تقود هذا المجال أو أن تترك الآخرين يعرّفونه ويشكّلونه من الخارج. والقيادة هنا ليست امتيازًا، بل واجبًا تفرضه الجغرافيا والتاريخ معًا