كيفك انت ٢؟
عالطريق، وين ما التفتّ بتلاقي شجر الزيتون عم ينحني ليضلل خطواته التعبانة.
وبلحظة وقف ع الأرض اللي انجبلت بدمه، تحولت هالبقعة بمطرح من المطارح لمحراب. سجد سجدة طويلة، لدرجة حسيت بروحه سبقت جسده وامتزجت بأرض الجنوب.
قربت منه، والنفس عم يطلع منه مخنوق، عم يقطعه وجع بين الضلوع، والجبين بعده حامل أثر جرح طري، كأنه انكتب من يومين تلاتة.
سألته: "هيدا الجرح... وهالوجع اللي بصدرك... كيف فيك تحمله وتكفي؟"
طلع فيّ، وبعيونه نظرة مش من هالعالم، فيها بريق غريب بيجمع نور العرش بقدسية هالأرض. مسح بإيده المرتجفة على وجهه، وجاوبني بنبرة جنوبية بقاعية، هادية وصادقة، طالعة من أعماق القلب:
"يا خيي، الوجع مش قصة.. أنا ما رجعت لهون لأرتاح، أنا راجع كفّي الدرب مع الشباب.
بتعرف، قبل كنت خاف.. خاف من كل شي، خاف من الموت خاف حتى من الجرح. بس بتصدق؟ هون، صوت القذيفة أو الغارة ما بقى بخوّفني.. بتعرف ليه؟ لأن الولد بس يخاف بيركض لعند بيّو او عحضن إمو.. بس هون، كل ما الخوف يقرب، بتحس الله منزل سكينته وطمأنينته عليك، وبتحس حالك بحضن الرحمن."
هيدا الجرح اللي شايفه ع جبيني.. هيدا مش وجع، هيدا مواساة بسيطة، مواساة لـ علي (ع) لما انضرب بمحرابه...
أما هالضلع.. (هون أخد نفس عميق، وضلوعه عم تئن مع كل شهقة، وكأنه عم يجمع بقايا صبره بقلبه) هالضلع اللي عم يوجعني كل ما تنفست، شو بيطلع؟ هين كتير ومش أصعب من ضلع الزهراء (ع).. وهل يا ترى وجعنا بينقاس بوجع الحسين (ع) بكربلا؟
مش هني علمونا إنو كل قطرة دم بتوقع مننا هي خيط بيوصلنا بدم الحسين، وكل وجع هو تسبيحة بكربلاء."
سكت، وغمض عيونه، كأنه عم يشمّ ريحة الجنة والشهداء اللي سبقوه، وتركني بذهول قدام إنسان ما بيشوف بالوجع إلا باب للقرب، وما بيشوف بالعودة إلا طريق للجهاد والطمأنينة.. وكأنو كانت عم تتردد في أذني صدى كلماته: "ما رأيت إلا جميلاً".