من أمواج المضيق وغبار الجنوب، إلى بورغنشتوك،
هل يصمد الاتفاق الأميركي-الإيراني؟
وكيف ستتحرك المنطقة على وقعه؟
بدايةً، مذكرة التفاهم هي في الحقيقة صورة النتيجة السياسية الأولية للحرب، وليست نتيجة تفاوض بارد يعكس موازين القوى.
إذن هي نتيجة الأحداث بحد ذاتها، في سياقها الزمني، ومع الأخذ بالاعتبار أثر صناعة القرار في اللحظات المفصلية. وهو ما عبّر عنه ترامب عندما استغرب رد فعل
#إيران منذ اللحظات الأولى للحرب. البارحة عاد لتأكيد تفاجئه بتلك الاستجابة.
وعلى جري العادة، تراجع ترامب في لحظة الانحدار من الذروة، عندما بدأت الارتدادات والخسائر تفوق العائد المتوقع من الحرب. خصوصاً أن التغريدات كانت تفقد قدرتها على لجم أسعار السوق (نفط وسندات) مع اقتراب نفاذ الدفعة التي ضخت في السوق من احتياطات النفط الغربي في أول تموز-يوليو.
وقد خلق ذلك انطباعاً بأن عهد ترامب الثاني، هو عهد الحروب غير المكتملة. مع الصين، ومع روسيا وإيران، الأمر نفسه. حروبٌ غير مكتملة.
لكن هذه الحرب، أظهرت أنه عهدُ التردد السياسي وقول الشيء ونقيضه في اللحظة نفسها. وحتى يتأكد ذلك، لاحظوا التالي:
خلال الحرب كان ترامب يؤكد أن قدرات إيران دُمرت بشكلٍ شبه كامل. البحرية انتهت، الجيش دمر، المخزون الصاروخي نفد، القيادات السياسية اغتيل الفوجان الأول والثاني… حسناً، لماذا أُعطيت إيران التي فقدت كل ذلك، هذه المكتسبات في الاتفاق؟
وهذا يقود إلى احتمالين، إما أنه يكذب، أو يعطي المكاسب للتخدير، ثم استئناف الحرب لاحقاً.
شيءٌ آخر غريب. يبرر ترامب التراجع أمام إيران الآن، بقرب نفاد احتياطات النفط وانهيار أسعار الأسهم. بينما كان خلال الحرب يقول إن الأمور جيدة، وإنه ليس تحت ضغط الوقت.
والوقت، هو المعطى الذي استخدمته إيران لكسر إرادة ترامب.
كانت إيران تسعى بصورةٍ حثيثة الى تمرير أقصى مدة ممكنة من الوقت قبل التوصل إلى اتفاق. وهذا يفسر رفضها التفاوض في الأسابيع الأولى للحرب.
فيما بعد، وعندما بدأ تبادل الرسائل، أبطأت الوتيرة من دون أن تكون عائقاً أمام وقف الحرب. لأنها كانت فعلاً تريد وقف الحرب، لكنها كانت ترى إن إيقافها في مرحلة مبكرة، سوف لن يُشعر الطرف الآخر بالحاجة إلى تقديم تنازلات.
القناعة الأميركية بضرورة وقف الحرب فوراً، لم تتشكل إلى بعد أسابيع طويلة. وقد بنى الإيرانيون تلم القناعة ساعةً بساعة. وإن كنتم تتذكرون عدم رد إيران على ورقة ترامب لثلاثة أسابيع كاملة.
ترامب حاول إنكار ألمه من مرور الوقت، فأخر رده 12 يوماً على الرد الإيراني.
كانت رسالة الإيرانيين لترامب: تعالَ نقع معاً في الهاوية.
ثم بعد نضوج إرادة حقيقية لديه للتراجع، قالوا: تعالَ ننجو معاً من الهاوية. لكن بتفصيلٍ إضافي: من دون نتنياهو.
لنعد إلى الصورة الأوسع. أميركا تمتلك كل الرغبة بحسم كل الحروب التي تخوضها (مع إي ان وروسيا والصين)، لكن تنقصها القدرة على تحمل التبعات والكلفة. وهذا ما أكده أداء إدارة ترامب المترددة.
يكتفي
#ترامب بخطوةٍ إلى الأمام، ثم خطوتين إلى الخلف. هذا ما فعله مع الصين في الحرب الجمركية، ومع الحلفاء في قضية غرينلاند، ومع روسيا في أوكرانيا. لكنه مع إيران، وبزخمٍ من نتنياهو وتأكيدات الموساد للنتيحة المضمونة خلال أيام، اندفع في خطوتين إلى الأمام، ثم أعادته الوقائع وحقائق الصراع عشر خطواتٍ إلى الخلف.
النتيجة حتى الآن تشير إلى هزيمةٍ استراتيجية لأميركا في هذه الحرب. نتيجةٌ يؤكدها الأكاديميون الغربيون والإسرائيليون قبل الخبراء في المنطقة. لكن لماذا نقول "حتى الآن"؟
⤵️⤵️⤵️