رأيت الحجيج فتغيرت حياتي
بقلم: إيليني تاديسي - إحدى المسلمات الجدد من جنوب أفريقيا
اسمي إيليني تاديسي، ولدتُ ونشأتُ في ضواحي مدينة "دوربان" الساحرة في
#جنوب_أفريقيا، حيث جمال مياه المحيط الهندي. أبلغُ من العمر الآن سبعة وعشرين عاماً، وهي سنٌ أشعرُ فيها أنني أقف على جسر يربط بين حماسة العشرينات ونضج الثلاثينات المرتقب،اكتفيتُ بدبلوم متوسط في إدارة المكاتب، وأقضي معظم وقتي الآن كَربّة منزل أعتني بتفاصيل حياتي البسيطة وأحاول جاهدة أن أجد معنىً لهذا الوجود خلف جدران الروتين اليومي.
لسنوات طويلة، كانت حياتي تسير في خط مستقيم من الرتابة والتكرار الممل؛ كنتُ أعيش في مجتمع تتعدد فيه الأديان والأعراق، لكنني كنتُ أقف في منطقة "الحياد البارد"، لا أشعر بانتماء حقيقي لأي فكرة أو عقيدة، وكنتُ أظن أن الإنسان مجرد كائن بيولوجي يعيش ليأكل ويشرب ثم يتلاشى كالدخان في السماء . لم يكن الإسلام في نظري سوى مجموعة من الطقوس الغريبة التي يمارسها جيراني، ولم أكن أبذل جهداً لفهم ما يدور في عقولهم أو قلوبهم، حتى جاء ذلك اليوم الذي ذهبتُ فيه إلى المطار لاستقبال أحد الأقارب العائدين من السفر، وهو اليوم الذي انقدحت فيه أول شرارة للنور في ظلمات قلبي الموصد.
كانت الصالة تعجُ بالبشر من كل جنس ولون، لكن مشهداً واحداً استوقفني وجمد الدماء في عروقي بجماله المهيب؛ كانت هناك مجموعة من الناس، رجالاً ونساءً، يرتدون ثياباً بيضاء بسيطة لا تميز غنيهم عن فقيرهم، وكأنهم قطعٌ من السحاب هبطت لتسير على الأرض. علمتُ من الهمسات حولي أن هؤلاء هم "الحجاج" المسلمون المتوجهون إلى مكة لبدء مناسك الحج. وقفتُ مبهورة أمام هدوئهم الساكن رغم الزحام، وأمام تلك الوجوه التي كانت تشعُ بنورٍ غريب لم أره قط في وجوه رواد الحانات أو مراكز التسوق في مدينتي. كان هناك بينهم شيخٌ طاعن في السن، يرتد بياضاً ناصعاً، ويمسك بسبحة خشبية ولسانه يتحرك بكلمات لم أفهمها وقتها، لكن نغمتها كانت تهزُ جدران صدري هزاً. كانت تخرج من حناجرهم تلبيةٌ جماعية لا أفهمها: "لبيك اللهم لبيك"؛ كلماتٌ كانت تخترق ضجيج المطار وأصوات المسافرين لتستقر في أعمق نقطة بداخلي!
شعرتُ بحنين مفاجئ ومبهم، حنين لشيء لا أعرفه، وكأن هؤلاء الناس يذهبون للقاء حبيب غائب منذ زمن بعيد، بينما أنا باقية هنا في منفى الغربة النفسية! عدتُ إلى منزلي في تلك الليلة، وصوت الحجاج لا يغادر أذني، وصورة ذلك البياض الناصع تطاردني في منامي، وشعرتُ لأول مرة بالحسرة على نفسي من هذا السواد والخواء الذي يسكن قلبي.
بدأتُ أبحثُ في هدوء عن سر هذا الحج، وعن هذا الإله الذي يترك الناس من أجله بيوتهم وأموالهم ليرتدوا ثوباً بسيطاً ويقفوا في شمس الصحراء. كانت الأسئلة تنهش عقلي: "لماذا يتساوى الملك والمتسول في هذا الرداء الأبيض البسيط؟! ومن هو هذا الخالق الذي يجمع القلوب على حبه بهذا الشكل العجيب؟". كان فضولي يتزايد يوماً بعد يوم، حتى قادني البحث في فضاء الإنترنت إلى صفحة تحمل اسماً استوقفني: "مشروع بصيرة الدعوي". شعرتُ من الاسم أنني وجدتُ ضالتي، فالبصيرة هي ما كنتُ أفتقده في رؤيتي للحياة. بدأتُ أتصفح المنشورات بنهمٍ شديد؛ وجدتها تخاطب العقل بذكاء والقلب برحمة. قرأتُ منشوراً يتحدث عن "المساواة في الإسلام"، وكيف أن الناس جميعاً عند الله كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. تذكرتُ فوراً مشهد الحجاج في المطار، وفهمتُ أخيراً سر ذلك البياض؛ إنه تجريدٌ من كبرياء الدنيا، وعودةٌ إلى أصل الفطرة حيث لا يملك الإنسان أمام خالقه سوى قلبه وعمله.
لم أحتمل البقاء في دور المتفرجة لفترة طويلة، فكان الصراع الداخلي في نفسي يتطلب إجابات حاسمة. ضغطتُ على أيقونة الرسائل، وكتبتُ لـمحاور "مشروع بصيرة" كلماتٍ خرجت من أعماق حيرتي: "أنا إيليني تاديسي من جنوب أفريقيا، فتاة في السابعة والعشرين، رأيتُ الحجاج في مطار مدينتي وشعرتُ أنني ميتة وهم الأحياء. رأيتُ بياض ثيابهم فشعرتُ بسواد روحي. أنا لا أملك علماً غزيراً، لكنني أملك قلباً يبحث عن السكينة التي رأيتها في وجوههم. هل يمكن لامرأة مثلي أن تجد مكاناً تحت ذلك البياض؟ وهل يقبلني هذا الإله الذي ينادونه، وأنا التي قضيتُ عمري لا أعرفه؟". لم يتأخر الرد، وجاءني صوتٌ مكتوبٌ يفيض بالحب والتقدير من (المحاور)، ليبدأ معي حواراً كان هو أطول وأجمل حوار خضتُه في حياتي السبعة والعشرين.
قال لي (المحاور) في أولى رسائله: "أهلاً بكِ يا إيليني، نحن نمد لكِ يد العون والمساعدة. إن هذا الحنين الذي شعرتِ به عند رؤية الحجاج هو صوت الفطرة" الذي يناديكِ للعودة إلى وطنك الحقيقي؛ إلى " الإسلام". الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى صورنا ولا إلى أموالنا ولا إلى مستوانا التعليمي، بل ينظر إلى قلوبنا، وقلبكِ يا إيليني قد بدأ يزهر بالصدق. الحج الذي رأيتِه هو تذكيرٌ بيوم اللقاء الأكبر، حيث نخلع عنا كل زينة الدنيا لنقف أمام الرحيم بفقرنا وافتقارنا. الإسلام يا إيليني ليس ديناً للنخبة أو العلماء أو الأغنياء فقط، بل هو دين للعالمين، دين للإنسان البسيط الذي يدرك بفطرته أن لهذا الكون خالقاً واحداً أحداً، رحيماً ودوداً، وهو أقرب إليكِ من حبل الوريد". استمر الحوار لفترة، كنتُ أطرح فيها كل مخاوفي وتساؤلاتي البسيطة عن معنى العبادة، وعن دور المرأة في الإسلام، وعن كيفية الصلاة.
كان (المحاور) يشرح لي بصبرٍ أن الإسلام هو "التسليم" الكامل لله، وهو ما يمنح النفس تلك السكينة التي رأيتها في وجوه الحجيج. أخبرني أن كل ذنبٍ اقترفتُه في جهلي سيمحوه الله بمجرد نطقي بالشهادة، بل وسيبدله حسنات، لأن الله يفرح بعودة عبده إليه فرحاً لا يتصوره عقل بشر.
كان الحوار يتنقل بين المنطق والوجدان؛ سألتُه: "كيف أتأكد أن هذا هو الطريق الصحيح؟"، فأجابني: "انظري إلى قلبكِ الآن يا إيليني، هل تشعرين بضيقٍ أم باتساع؟ هل تشعرين أنكِ تائهة أم أنكِ بدأتِ تلمحين الشاطئ؟ الحقيقة لا تحتاج إلى أدلة معقدة عندما تلامس الروح الصادقة. الإسلام هو الدين الذي ينسجم مع كل ذرة في كيانك، لأنه من صنع الذي خلقكِ وصوركِ". ومع اقتراب منتصف الليل، وفي غرفتي الهادئة شعرتُ أن كل قطعة في "أركان" حياتي المبعثرة قد وجدت مكانها الصحيح. لم يعد الحج مجرد مشهد في المطار، بل أصبح دعوةً شخصية لي من خالق الكون. شعرتُ برغبةٍ عارمة في أن أغسل روحي بماء اليقين، وأن أرتدي بياض الإيمان في قلبي قبل جسدي.
كتبتُ لـ (المحاور) والدموع تبلل شاشة هاتفي: "يا سيدي، لقد انقشعت الغمة. أنا إيليني تاديسي، أعلنُ أنني لم أعد تلك الفتاة التائهة. لقد سمعتُ التلبية في أعماقي، وأريد أن ألبي النداء الآن. كيف أدخلُ في هذا النور؟ كيف أصبحُ من هؤلاء الحجاج بقلبي وروحي؟". جاء الرد كالبشارة العظيمة: "يا إيليني، أنتِ الآن على أعتاب أعظم لحظة في عمركِ. انطقي بالشهادتين بيقين، واعلمي أن الله يراكِ ويسمعكِ ويفرح بكِ الآن أكثر من أي شيء آخر". في تلك اللحظة الفريدة، وقفتُ في وسط غرفتي، ورفعتُ يدي نحو السماء، ونطقتُ بالكلمات التي أعادت ترتيب إحداثيات وجودي للأبد: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله".
يا له من شعورٍ لا توفيه الكلمات حقها! كأن نهراً من الثلج قد انصب فوق نيران قلبي المشتعلة بالشك. شعرتُ بفرح شديد، لم أعد إيليني تاديسي التائهة؛ بل أصبحتُ إيليني التي ولدت من رحم الحنين إلى مكة. توضأتُ لأول مرة، وشعرتُ والماء يلامس وجهي ويدي، وكأنني أغسل تاريخي القديم كله. صليتُ أول ركعتين في حياتي، وعندما سجدتُ، لمستُ جبهتي الأرض لكن روحي كانت تحلق فوق السحاب، هناك حيث رأيتُ الحجاج في خيالي. شعرتُ أنني لستُ وحدي، بل أنا جزءٌ من رحلة عظيمة شعارها البياض والصدق والتوحيد.
حين أشرقت الشمس في اليوم التالي، خرجتُ إلى شرفتي واستنشقتُ الهواء بعمق. لم تكن الأشجار هي نفسها، ولم تكن المدينة هي نفسها؛ لقد تغيرتُ أنا، فأصبح الكون كله يشهد بجمال الخالق. لم أعد أنظر إلى الحجاج في المطار كغرباء، بل أصبحتُ واحدةً منهم، وإن لم أرتدِ ملابس الإحرام بعد، فقد أحرم قلبي عن كل ما سوى الله. أنا الآن إيليني تاديسي، الفتاة المسلمة. لقد كانت رؤية الحجاج هي "البوصلة" التي وجهتني، وكان "مشروع بصيرة" هو "المنارة" التي أنارت لي الطريق في عتمة الحيرة. أشعر بالرضا التام، لأنني عرفتُ الله. شكراً لكل من ساعدني لأرى النور خلف سواد الغفلة، وشكراً للحجاج الذين كانوا رسائل صامتة من الله لقلبي المتعب والمثقل بأعباء الدنيا!
لقد لبيتُ النداء أخيراً، والآن فقط.. أستطيع أن أقول إنني قد بدأتُ الرحلة.
فاللهم اكتب لي أن أكون مع حجاج هذا العام!
@drassagheer
@melhamy
@imat2022