متجزأ من رواية
التحقيق
لخوان خوسيه ساير
بدأ شعور مورڤان بالاختناق يتزايد بمرور الوقت من كثرة السير في المدينة وهو مغموم وحائر إلى أن استيقظ متعرقًا وهادئًا في الوقت ذاته؛ إذ إن حلمه -على الرغم من تفاصيله الكئيبة والمحبطة- لم يكن كابوسا حقيقيًّا. طالما سادت الغرابة، لا القلق، انطباعاته الأولى لدى استيقاظه، وكان يظل بعدئذٍ متشبعًا طوال النهار بالحالات المعنوية التي مر بها في حلمه؛ قبل أن تتبدد تدريجيًّا. في تلك الليلة، أعاده إلى عالم اليقظة إحساس الحر الخانق نفسه وبعض الضربات البعيدة. لما فتح عينيه، وجد نفسه وسط بخار ضارب إلى البياض يطفو داخل حمام. انبثق خيط من الماء الساخن من صنبور حوض الاستحمام، وتحقق مورڤان وهو يجثو من أن الماء يختفي عبر مصفاة الصرف بعد خروجه من الصنبور. نهض على مرتين؛ إذ استند أولًا بركبتيه إلى حافة حوض الاستحمام، ثم وقف بعدئذٍ. كان عاريًا بالكامل ومغطى بالدم. تغبش سطح المرآة ببخار الماء، وشعر مورڤان-وهو يترنح قليلًا فيما يحاول الحفاظ على اتزانه- بفكرة سخيفة وفظيعة في الوقت نفسه تنبثق داخله؛ لكنها كانت فكرة مُلحة ومتنامية إلى درجة أنه لم يعد لديه شك في تطبيقها؛ على الرغم من شعور القلق الذي ضايقه لأول مرة: فكر في أنه لو نظف البخار الذي يُغطي المرآة، فإن صورة الرجل -أو أيًّا كانت ماهيته- الذي يبحث عنه منذ تسعة أشهر، ستظهر له، لكنه حين أقدم بحركات خرقاء وبطيئة على إغلاق الصنبور وتنظيف المرآة براحة يده، لم يتعرف على انعكاسه فوقها. كان يعلم أنه هو؛ أي مورڤان، وأنه يرى انعكاسًا لصورة رجل ما؛ لكنه رجل مجهول يراه لأول مرة في حياته، انهارت كل الجسور الممدودة بين عالميه الداخلي والخارجي بعد أن استمر بناؤها العسير يومًا تلو الآخر؛ بداية من الفجر الأكهب الحائر حتى منتصف الليل نفسه. انتزعته من اندهاشه أصوات متسارعة ومألوفة ترددت من أحد أنحاء المنزل، وحين التفت عازمًا على مواجهتها، رأى انعكاس حركته وهو يتوجه نحو الباب، فبدت له صورة الرجل العاري الذي ينظر إلى حركته من المرآة مألوفة مرة ثانية؛ حين تحقق الاندماج الظاهري بين الكيان وصورته المُتَمَنِّعَة مرة ثانية.