خلايا
#المكان في
#الدماغ .. و
#الخرائط الذاتية
يتبادر سؤال في ذهن كثير منا عن قدرة
#الإنسان القديم وعبر العصور على تحديد
#موقعه بدقة رغم نمط حياته البدائي مقارنة بعالمنا اليوم! وعن تذكره لمسار طريق سلكه منذ سنوات أو حتى من وصف الآخرين له!
الإجابة بدأت تتضح بصورة علمية وبشكل ملفت من السبعينيات الميلادية من خلال اكتشاف ما سُمّي بـ
#خلايا_المكان #PlaceCells .هذه
#الخلايا عبارة عن
#شبكة_عصبية تمثل الأساس
#البيولوجي لإحساسنا بالمكان و
#الاتجاه والذاكرة
#المكانية
تشير الدراسات التي نشرها عالم
#الأعصاب جون أوكيف John O’Keefe إلى أن منطقة تسمى
#Hippocampus في
#الدماغ تحتوي على خلايا تنشط عندما يكون انتباه الكائن الحي يتركز على معرفة
#موقع محدد
لاحظ أوكيف أثناء تجاربه على الفئران أن كل خلية ترتبط بمكان معين وإذا تحرك إلى مكان آخر توقفت تلك الخلية وبدأت خلية أخرى بالعمل. من هنا ظهرت فكرة أن الدماغ يبني
#خريطة_إدراكية تساعد على التنقل وفهم البيئة المحيطة
توسعت
#الأبحاث في هذا الموضوع بشكل كبير عندما اكتشف العالمان النرويجيان ماي موزر وإدڤارد موزر May-Britt Moser و Edvard Moser ما سُمّي بـ
#الخلايا_الشبكية #GridCells
طريقة عمل هذه الخلايا تشبه نظام
#الإحداثيات من خلال رسم الدماغ
#شبكة_هندسية داخلية تساعد على قياس
#الاتجاهات و
#المسافات أثناء الحركة. هذا الاكتشاف تم تصنيفه كأهم الإنجازات في علوم الأعصاب حينها وحصل العلماء على جائزة
#نوبل في
#الطب عام 2014
توضح هذه الاكتشافات أن الدماغ لا يعمل كجهاز استقبال محدود بالمكان بل يعمل كمنظومة نشطة تبني
#خرائط داخلية دقيقة. فحين يتحرك الإنسان في
#مكان محدد (مثل
#الصحراء عند رجل
#البادية) تبدأ خلايا المكان والخلايا الشبكية وخلايا الاتجاه بالتفاعل مع بعضها لتشكّل إحساس متكامل بالموقع والحركة فيه. هذا ما يفسر قدرة رجل البادية على تذكر الطرق والتنقل بشكل ذاتي دون الاعتماد على أي أداة خارجية
لقد أظهرت
#الدراسات أن خلايا المكان ترتبط ارتباط وثيق بـ
#الذاكرة و
#الهوية. فالإنسان لا يتذكر الأحداث منفصلة عن الأماكن بل يخزن
#الذكريات ضمن سياقات مكانية تشمل
#الحواس. لذلك يمكن لرائحة شارع قديم أو صورة معينة أن تعيد ذكريات قديمة. يغلب الظن أن الدماغ يستخدم المكان بوصفه إطار ينظم التجارب الإنسانية ويضيف لها معاني محددة من خلال التفاعل معه
تم حديثا دعم هذه الفكرة من خلال دراسة على سائقي سيارات الأجرة في
#لندن. فقد اكتشف العلماء أن منطقة Hippocampus لديهم أكثر تطور من المعدل المتوسط بسبب اعتمادهم المستمر على الملاحة وحفظ مسارات الطرق
تشير النتائج إلى أن الدماغ قابل للتغير والتكيف بحسب طبيعة علاقة الإنسان بالمكان وأن
#التدريب المكاني المستمر يقوي الشبكات العصبية المرتبطة بالملاحة والذاكرة
لقد فتحت هذه
#الدراسات أفق جديدة لفهم القدرات المذهلة لدى الشعوب المتصلة بالطبيعة مثل أهل
#البادية في الملاحة والتنقل بشكل طبيعي. فالاعتماد المتوارث على مراقبة
#النجوم و
#التضاريس ومعرفة
#اتجاهات #الرياح تؤدي إلى تطوير أنظمة إدراك
#مكاني دقيق ومرن. من هنا بدأ العلماء ينظرون إلى
#المعارف التقليدية بوصفها خبرات معرفية متقدمة لا مجرد مهارات بدائية
في المقابل يطرح الباحثون اليوم تساؤلات مهمة حول تأثير
#التقنية الحديثة على الإدراك المكاني. فمع الاعتماد المتزايد على الجوالات وأنظمة الملاحة
#GNSS تقلّ حاجة
#الإنسان إلى بناء خرائط ذهنية داخلية أو تذكر الطرق بنفسه. تشير بعض الدراسات إلى أن هذا الاعتماد قد يؤدي وبشكل تدريجي إلى إضعاف النشاط الطبيعي للأنظمة العصبية المسؤولة عن الملاحة والإحساس بالمكان في الدماغ
ختاما يبدو أن علاقتنا بالمكان أعمق بكثير مما نتصور. فالمكان ليس مجرد خلفية للأحداث بل هو عنصر أساسي في تكوين الذاكرة والهوية. فالدماغ ليس فقط أداة تفكير بل هو أداة تبني عالم داخلي يساعدنا على فهم العالم الخارجي وكيفية التنقل فيه من خلال تكوين خرائط ذاتية دقيقة. وكما أن للتقنيات الحديثة فوائد فإن إهمال هذه القدرة البشرية على
#الإحساس_بالمكان بالاعتماد الكامل عليها ستفقده قدرة طبيعية ذاتية قد يكون في أمس الحاجة إليها يوما مّا
كتبه:
خالد العريني