هذا الكلام قائم على شحنٍ عاطفي أكثر من كونه نقدًا علميًا منصفًا، وفيه دعاوى ضخمة تُلقى بلا برهان، وكأن مجرد تكرار الاتهامات يكفي لإثباتها.
فأولًا: وصف الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنه “جاهل أُلبس لباس العلم لمصلحة السياسة” لا يصدر ممن اطّلع على سيرته العلمية ومؤلفاته وشهادات معاصريه فيه. الرجل نشأ في بيت علم وقضاء، وحفظ المتون، وقرأ على علماء نجد والأحساء والحجاز، ورحل في طلب العلم، وكان مفتيًا ومدرسًا قبل التحالف السياسي أصلًا. واختلافك معه لا يبيح لك إلغاء مكانته العلمية بالكامل.
ثم إن دعوته لم تكن اختراع دين جديد، ولا دعوة إلى عبادة آل سعود كما يُصوَّر، بل كانت دعوة إلى تجريد التوحيد، ومحاربة الاستغاثة بالأموات، والطواف بالقبور، والذبح والنذر لغير الله، وهي مسائل ناقشها قبله ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من كبار العلماء. فإن خالفته في بعض تنزيلاته أو شدته فهذا شيء، أما تصويره كأنه اخترع أصل “تكفير المسلمين” فهذا تدليس على التاريخ.
وأما قولك إن أساس الدعوة “تكفير المسلمين وإخراجهم من الملة”، فهو من أكثر العبارات ظلمًا وافتراءً؛ لأن الشيخ نفسه كان يكرر في رسائله أنه لا يكفّر بالعموم، وأن التكفير له شروط وموانع، وأنه لا يكفّر الجاهل حتى تقوم عليه الحجة. نعم، قد يُناقَش في بعض التطبيقات أو في غلو بعض الأتباع، لكن تحويل الدعوة كلها إلى “مشروع تكفير” تجاهل متعمد لعشرات النصوص الصريحة.
ثم إن من العجيب أن تُتهم الدعوة بأنها “توالي الكفار وتعادي المسلمين”، بينما أصل خطابها قائم على الولاء للتوحيد والسنة ومعاداة الشرك والبدع. قد تخطئ أو تصيب في بعض التصورات السياسية، لكن قلب القضية بهذه الصورة العاطفية لا يصنع حجة.
وأما الاستدلال بابن سلمان وكأنه “فضح الدعوة”، فهذا في الحقيقة اعتراف ضمني بأن الخلاف لم يعد علميًا فقط، بل صار سياسيًا وإعلاميًا. لأن تقييم الدعوات العلمية لا يكون بما تفعله الأنظمة الحديثة بها، وإلا لزمك أن تعتبر كل دعوة حوربت أو همّشت دعوة باطلة!
ثم إن قولك: “سمّانا الله المسلمين”، حق يُراد به باطل؛ لأن كل الفرق عبر التاريخ كانت تقول: “نحن مسلمون”. والخلاف لم يكن يومًا على أصل الاسم، بل على مسائل الاعتقاد والعبادة والمنهج. فالخوارج والمرجئة والجهمية وغيرهم كلهم ينتسبون للإسلام، ومع ذلك ناقشهم العلماء وردوا عليهم.
وأما تخويف الناس بيوم القيامة لأنهم دافعوا عن عالم مسلم، فهذا باب خطير؛ لأنك توحي أن مجرد الانتصار لابن عبد الوهاب اتهامٌ لملايين المسلمين، مع أن الرجل لم يكن يقول: “كل من خالفني كافر”، بل كان يناقش مسائل محددة يراها من نواقض التوحيد.
وفي النهاية:
الإنصاف يقتضي أن يُنتقد الشيخ فيما أخطأ فيه إن ثبت خطؤه، لا أن يُحوَّل إلى شيطان تاريخي تُعلَّق عليه كل مآسي الأمة. فالرجل له علم، وله أثر، وله صواب وخطأ كسائر العلماء، لكن لغة الشتائم والتشويه لا تصنع بحثًا علميًا، بل تصنع خصومة أيديولوجية لا أكثر.
الإشكالية أن دعوة عبدالوهاب ترى أن محمد الخالدي إمّا خارجي، أو مبتدع، وفي أحسن الأحوال ليس على الجادة.
يُدافع الخالدي عن ابن عبدالوهاب في منشوره هذا دفاع المستميت، ولو قرأ له وعنه لأدرك أن ابن عبدالوهاب ما هو إلا بشر، جاهل، أُلبس لباس العلم لمصلحة السياسة، ولا أدري ما هو الخير الذي جلبه للأمّة كما يدعي في منشوره!!
وإلا فما هي هذه الدعوة التي أساسها تكفير المسلمين، وإسقاط دولتهم، وإخراجهم من الملّة والدين، وتبديعهم وتفسيقهم وتفريقهم، ووضع أسس الولاء للكفار المشركين، والبراءة من المسلمين، ووالله لا أحنثُ في قسمي وأنا أقول أن من فضائل ابن سلمان على المملكة والمنطقة، أنه عرّا دعوة ابن عبدالوهاب.
سمّانا الله المسلمين، وأمرنا باتباع نبيه الكريم، وصحابته الغرّ الميامين، وأن نُحكّم العقل في الكتاب الحكيم، وفي حديث رسولنا الحبيب، فما بال بعض الأشخاص يُريد منت الدفاع عن موروث منقوص، وتراث مبتور، بحجّة أن بعضنا من أهل البدع وأصحاب الهوى.
اتقّ الله، فقد انتصرت لابن عبدالوهاب، واتهمت ملايين المسلمين، فما بالك إن جاؤوا يوم القيامة منك يقتصون!!