يظن بعض الناس أن كل ما تكتبه من المعاني أو تختاره من الشعر أو تقتبسه من المقولات يعبر بالضرورة عن حالتك الشعورية، وليس الأمر كذلك، وإنما يقع هذا في كثير من الأحيان اتفاقًا أو إعجابًا أو تأملاً أو قرب عهد بسماعه أو قراءته ونحو ذلك من البواعث المختلفة على الكتابة ..
حول هذه الخبر تنبيهات:
الأول: أن هذا كان خيطًا طُلِي بالزئبق لطرد القمل، وليس "قلادة" من خيط "الفضة"! والظاهر من كلمة (خيط) أنه كخيوط الثياب مصنوع من الصوف أو القطن، وسيأتي ما يؤكد شيوع ذلك في التنبيه التالي.
الثاني: أن هذا من باب التداوي المباح، لا من باب التمائم المحرمة. ومن خواصّ الزئبق المذكورة قديمًا علاج الزئبق، ذكر ذلك الجاحظ وأبو بكر الرازي الطبيب وداود الأنطاكي وغيرهم.
وفي حاشية الجمل على شرح المنهج عن البرماوي: أن ممَّا جُرّب لدفع القمل أن يُطلى خيط من الصوف بالزئبق ويُجعل في عنقه.
الثالث: سُجِن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قلعة دمشق سنتين وثلاثة أشهر وتوفي فيها سنة 728، ولا شك أن السجن بيئة خصبة لانتقال القمل بالعدوى بين السجناء، ولذلك يتكرر الحديث عن القمل في روايات الأدباء الروس بسبب سجون القيصر ومعتقلات سيبيريا المشهورة.
وهذا سبب لجوء ابن تيمية رحمه الله إلى استعمال ذلك الخيط ووضع الزئبق فيه لطرد القمل، ولذا وجدوه في عنقه بعد وفاته، ولم يذكره أحد من أصحابه طول حياته المعلومة في الشام ومصر.
وما شغّب به بعض السفهاء من دلالة هذا الخبر على عدم نظافة الشيخ -رحمه الله ورفع درجته- من البهتان والفجور في الخصومة والسخرية بما وقع له من الظلم والابتلاء. ومن المعلوم في الطبّ اليوم أن الإصابة بالقمل ليست دليلا على ضعف الاهتمام بالنظافة الشخصية، وإن كانت ظروف السجن القاسية في قلعة دمشق يومئذ لم تكن تسمح برفاهية الاغتسال المنتظم وأدوات النظافة المستقلة على كل حال.
قلادة ابن تيمية.
فمن أعجب ما قرأت في كتاب العقود الدرية في ذكر مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية؛ ذِكْرُ المؤلف للقلادة التي يلبسها أبو العباس رحمة الله عليه، قلادة من خيط الفضة كان يلبسها في عنقه بسبب القمل، بل إنها قد بيعت بعد وفاته بمئة وخمسين درهما.
#قلادة_ابن_تيمية
عندما يكون الفقيه أديبًا!
قال الماوردي في "الحاوي" في مسألة (إذا قال: قارضتك على أن لك سدس عشر تسع الربح): "والأصح فيه الصحة؛ لأنه معلوم من الصيغة يمكن الاطلاع عليه، غير أنّا نستحب لهما أن يعدلا عن هذه العبارة الغامضة إلى ما يعرف على البديهة من أول وهلة؛ لأن هذه عبارة قد توضع للإخفاء والإغماض، قال الشاعر:
لك الثلثان من قلبي … وثلثا ثلثه الباقي
وثلثا ثلث ما يبقى … وثلث الثلث للساقي
وتبقى أسهمٌ سِتٌّ … تُقَسَّم بين عشّاقي
فانظر إلى هذا الشاعر وبلاغته وتحسين عبارته كيف أغمض كلامَه وقسَّم قلبَه وجعله مجزّأ على أحد وثمانين جزءًا هي مضروب ثلاثة في ثلاثة؛ ليصح منها مخرج ثلث ثلث الثلث، فجعل لمن خاطبه أربعة وسبعين جزءًا من قلبه، وجعل للساقي جزءًا، وبقي الستة الأجزاء ففرَّقها فيمن يحبّ! وليس للإغماض في عقود المعاوضات وجه مرضي ولا حال يستحب، غير أن العقد لا يخرج به عن حكم الصحة إلى الفساد ولا عن حال الجواز إلى المنع لأنه قد يؤول بهما إلى العلم ولا يجهل عند الحكم".
قال التاج السبكي: انتهى كلام الماوردي، وقد أورثه حب الأدب إدخال هذه الأبيات الغزلية في الفقه!
قياس زفر!
خطرت في بالي البارحة كلمة علقت في ذهني عن ابن تيمية في ذم قياس زفر، وأن بعضها أقبح من البول في المسجد، وجاء في بالي أن مثل هذا القبح يأتي في أقوال من يجمد على بعض الظواهر، ويفهم منها فهما منكرا.
فلما بحثت عن موضعها في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وجدت المحقق البارع د. عبدالرحمن بن قائد قد تكلم عنها في تحقيقه لكتاب ابن تيمية «الانتصار لأهل الأثر» ففرحت به، وعزمت على نشره وجهزته لذلك، ثم توجهت للكتب لأعلق على المواضع التي ذُكرت فيها بالإشارة لكلامه.. (سأكمل بعد أن أنقل لك كلام ابن تيمية وتعليق المحقق)
[قال ابن تيمية: «يروى عن أبي حنيفة أنه قال: «لا تأخذوا بمقاييس زفر، فإنكم إن أخذتم بمقاييسه حرمتم الحلال وحللتم الحرام» (١)، فإن زفر كان كثير الطرد لما يظنه من القياس مع قلة علمه بالنصوص(٢)..».
ــــــــــــــ
قال المحقق د. عبدالرحمن بن قائد:
(١) «لم أقف عليه، ولم يذكره الكوثري في «لمحات النظر في سيرة الإمام زفر» على شدة تقصيه وسعة اطلاعه، ولا إخاله يصح، وثناء أبي حنيفة على زفر مستفيض، وكان يقول: «هو أقيس أصحابي».
وأخرج ابن قتيبة في «مختلف الحديث» (١١٠) وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١٦٩٧) عن الشعبي قال: «إياكم والقياس، فإنكم إن أخذتم به حرمتم الحلال وأحللتم الحرام»، فهل سبق ذهن المصنف إلى هذا؟
ونقل ابن تيمية كذلك (في المصادر التالية) عن أبي حنيفة قوله: «قياس زفر أقبح من البول في المسجد»، والمروي في «المعرفة والتاريخ» ليعقوب بن سفيان (١/ ٦٧٣) ومن طريقه البيهقي في «المدخل إلى السنن» (٢٤٣): «من القياس قياس أقبح ...» دون ذكر زفر.
(٢) انظر: «جامع المسائل» (٣/ ٤١٣)، و«مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٢٤)، و«مختصر الفتاوى المصرية» (٦٢٤)، و«زاد المعاد» (٥/ ٣٩٩).
وفيما ذكر من قلة علم زفر بالنصوص نظر، فقد سمع الحديث من طائفة، وإنما لم تتسع الرواية عنه؛ لأنه مات في الكهولة قبل أوان الرواية، كما يقول الذهبي في «السير» (٨/ ٣٩)، وقال: «كان يدري الحديث ويتقنه»، ونقل عن أبي نعيم الفضل بن دكين: كنت أمر على زفر فيقول: تعال حتى أغربل لك ما سمعت.
وذكره شيخ الصنعة يحيى بن معين فقال: «ثقة مأمون».
وقال ابن حبان في «الثقات» (٦/ ٣٣٩): «كان متقنا حافظا قليل الخطأ، لم يسلك مسلك صاحبه في قلة التيقظ في الروايات». وناضل دونه ابن قطلوبغا في «الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة» (٤/ ٣١٣).
انتهى من «الانتصار لأهل الأثر» ص٦٨.]
❍ فلما قال المحقق «ونقل ابن تيمية كذلك (في المصادر التالية) عن أبي حنيفة قوله: «قياس زفر أقبح من البول في المسجد»، ثم ذكر المصادر: «انظر: «جامع المسائل» (٣/ ٤١٣)، و«مجموع الفتاوى» (٣٤/ ١٢٤)، و«مختصر الفتاوى المصرية» (٦٢٤)، و«زاد المعاد» (٥/ ٣٩٩)»؛
فتحت «جامع المسائل»؛ لأنظر في اسم الرسالة وأعلق على الموضع؛ فإذا هي «قاعدة في حضانة الولد»، ثم فتحت «مجموع الفتاوى»؛ فإذا هو نفس الكلام؛ إلا أنه لم يذكر فيه زفر، ونصه: «من القياس قياس أقبح»؛ ففتحت أول الرسالة؛ فوجدت أني علقت في بدايتها:
الرسالة مطبوعة مع «مختصر الفتاوى المصرية» ص٦١٣-وهذا في الطبعة القديمة وقد أخرجتها بعد صدور طبعت ركائز-،
فبحثت في طبعة ركائز؛ فلم أجد هذا الكلام!
فبحثت في النت وحملت الطبعة القديمة وفتحت ص٦١٣؛ فإذا هي بعد نهاية الكتاب، ومكتوب:
ملحق قاعدة في حضانة الولد.
وقال الفقي في الحاشية: أن النسخة أخذت من دار الكتب الأزهرية، وأنها مكتوبة بخط عبدالمنعم البغدادي الحنبلي، وذكر تاريخها.
وأما «زاد المعاد»؛ فالكلام فيه صادر عن هذه القاعدة، لكنه توقف قبل الموضع الذي فيه هذه الكلمة «قياس زفر أقبح».
فصارت المواضع؛ موضعا واحدا فقط، وهو «قاعدة في حضانة الولد».
وقد ذُكرت «زفر» في نسخة «جامع المسائل» و«الملحق بمختصر الفتاوى المصرية»، ولم تذكر في «مجموع الفتاوى».
فرجعت لمقدمة المحقق محمد عزير شمس رحمه الله؛ لأنظر في النسخ المعتمدة في إخراجها، فوجدته ذكر ٣ نسخ:
الأولى نفس التي ذكر الفقي أنه اعتمدها في نشرة الملحق.
والثانية في مكتبة غوطا بألمانيا.
والثالثة: في دار الكتب الظاهرية بدمشق، وقال: إنها ناقصة من آخرها.
لكن المحقق لم يذكر في تحقيقه للقاعدة في الحاشية ولا فرق بين النسخ!
فغلب على ظني أن نسخة «الفتاوى» التي لم ترد فيها «زفر» هي الظاهرية الناقصة، فقابلتها؛ بنسخة «جامع المسائل»؛ فإذا هي ناقصة من آخرها نحو ٩ صفحات -مع ما فيها من تصحيفات-
فتلخص من هذا أن كلمة «قياس زفر أقبح»؛ لم ترد إلا في «قاعدة في حضانة الولد»، وأنها ليست في نسخة الظاهرية -بحسب المطبوع-،
بقي أن ينظر في نسخة غوطا -أو غيرها إن وجد-؛ للترجيح، هل الوهم من الشيخ أو الناسخ؟
ذكرت هذا لأعين على نشر الصواب وبيانه، ولأحث طلاب العلم الشباب على التعليق على كتبهم، والتثبت في العلم؛ فعاقبته حسنة.
كتب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أمه بالشام وهو بمصر: إلى الوالدة السعيدة، أقر الله عينها بنعمه، وأسبغ عليها جزيل كرمه ... ولسنا والله مختارين للبعد عنكم, ولو حملتنا الطيور لسرنا إليكم, ولكن الغائب عذره معه.
من العوامّ من يفوق بعض المنتسبين إلى العلم ديانة ومروءة.
قال الأعمش لشريك بن عبد اللّه القاضي: لقد أدركت رجالًا عُجنوا في الدين عجنًا، لو سألت رجلًا منهم عن مسألة أو فريضة ما أحسَنَها، وما من مكرمة إلا وهي معقودة بمفارق رؤوسهم، ما يسرّني برجل منهم عشرة مثلك بل مئة ألف!
ذكره أبو حيان، والعهدة عليه.
شهركم مبارك أيها الأحباب.
اللهم أقبل بنا عليك، واصرف قلوبنا إليك، ووفقنا لاغتنام مواسم الخير، وحبّب إلينا الطاعة وزيّنها في قلوبنا، وأعذنا من همزات الشياطين، ولا تجعلنا ممن عادى نفسه واستوت عنده الأيام.
"كثير من الناس يطلب من صاحبه بعد نيله درجة الرياسة الأخلاق التي كان يعامله بها قبل الرياسة، فلا يصادفها، فينتقض ما بينهما من المودة. وهذا من جهل الصاحب الطالب للعادة، وهو بمنزلة من يطلب من صاحبه إذا سكر أخلاق الصاحي، وذلك غلط؛ فإن للرياسة سكرة كسكرة الخمر أو أشد، ولو لم يكن للرياسة سكرة لما اختارها صاحبها على الآخرة الدائمة الباقية، فسكرتها فوق سكرة القهوة [يعني الخمر] بكثير، ومحال أن يرى من السكران أخلاق الصاحي وطبعه، ولهذا أمر الله تعالى أكرم خلقه عليه بمخاطبة رئيس القبط بالخطاب اللين، فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعًا وعقلًا وعرفًا، ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب رؤساء العشائر والقبائل".
بدائع الفوائد لابن القيم (3/ 1061)
أهدى أحدهم كتابا إلى العقاد، فبعث إليه العقاد رسالة يشكره فيها، وذكر له أن في الكتاب ما يخالف رأيه من بعض الوجوه، ولكنه يعدّ ذلك ميزة له؛ لأن الكتاب الذي لا يجد فيه أحد ما يخالفه غير حقيق بأن يُقرأ!
.
وهذا إنما يصح في الكتاب الملتزم بالمنهج العلمي في البحث ومسالك الاستدلال، فمطالعته نافعة وإن اختلفت مع مؤلفه في نتائجه، لأنه يفتح لك أبوابا من النظر لتحرير مذهبك والجواب عن إيرادات مخالفك.
📣عرض خاص 🇸🇾
📚 مؤلفات د. عبدالرحمن قائد 📚 @AQaid
ضمن إصدارات #جناح_آفاق_المعرفة، القاعة الرابعة | جناح D33 #معرض_دمشق_الدولي_للكتاب
📚 دروسٌ في صناعة الإنشاء
للعلامة اللغوي عزّ الدين التنوخي
📚 النضار: الآثار الباقية لجاحظ العصر عبدالعزيز البشري
📚 مناسك الحج
للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي
📚 صون القريض: نظرات الرافعي في الشعر والشعراء
📚 ذكرى عهود: أشلاء سيرة ذاتية للأديب أحمد الزيات
📚 رسيس الهوى: بقية ما لم يُنشر لشيخ العربية محمود شاكر
📚 العمر الذاهب: رحلة المازني المعرفية من القراءة إلى الكتابة
📚 المنتخب من فضائل البلدان – للإمام الذهبي
📚 شذور الذهب: رسائل وفصول للإمام الذهبي
📚 قسطاس البيان: آثار الأديب المحقق أحمد الزين وفائت ديوانه
📚 مقدمات العقاد
اطّلعوا على قائمة كتب الجناح وأسعارها عبر الرابط⏬
bit.ly/AfaqAlmaarefa-D33
فائدة لطيفة للدراسات البينية، وأثر كتب أصول الفقه في علوم العربية.
يقول الطوفي في كتابه "الشعار على مختار الأشعار": والمتأخرون من علماء أصول الفقه قرروا في الاشتقاق قواعد نفيسة ينبغي أن تستفاد من كتبهم.
يقول العلامة محمد بهجة الأثري:
(يَرُوقك من هذا الكتاب جمعُه بين الأدبين العربيِّ والغربيِّ، وإبداع تبويبه وتصنيفه، وجِدَّة أبحاثه المستطرفة، وطريقته المدرسيَّة، حتى لا تكاد تمتري في أنه أوَّل كتاب أُلِّف في العربية بهذا الأسلوب الرائق. وقد أفرغ أبو قيس فيه زبدة مادَّته الفيَّاضة وثمرة تجاربه الناضجة، ... وإذا ما دعوتُ الناسَ إلى اقتناء كتابه فلستُ أقصد بذلك الإعلان عنه، أو إرضاء المؤلف عنّي، وإنما أقصد خدمة قومي بإرشادهم إلىٰ ما فيه فائدتهم ولذتهم).
@AQaid#معرض_دمشق_الدولي_للكتاب
القاعة الرابعة | جناح D33
يوصي التنوخي في كتابه صناعة الإنشاء الذي حققه الأديب د. عبدالرحمن قائد @AQaid
ألا يستعمل الكاتب اللفظة الغريبة حتى يرى على أي حقيقة تنطبق ونبذ كل لفظة لم تفهم فيقول:
"فإن الفتيان والرّيّضين في صناعة الإنشاء لتفتن ألبابهم بسهولة الألفاظ الغريبة الاستعمال، وبقدر ما تكون نادرة نافرة يزيد الاعتقاد على زعمهم بدلالتها على علم مُستَعمِلها فليتجئون إليها".
ص ٢٠٥ #صناعة_الإنشاء#كتابة
أشكل على بعض الناس وقوع السهو من النبي ﷺ في الصلاة، وكيف يجتمع ذلك مع الخشوع فيها.
فقيل: إن ذلك كان عمدًا وقصدًا، تشريعًا للأمة.
وقيل: إنه كان سهوًا، لكنه لم يكن غفلة عن الصلاة، بل شغلًا بها واستغراقًا فيها، وبالغ ابن العربي فقال: كلّ من لا يسهو في صلاته فذلك رجل لا يتدبّرها ولا يعقل قراءتها، وإنما همّه في أعدادها!