أثرٌ يمشي على قدمين.
حين عدت من الابتعاث حاملاً الماجستير في علم النفس العيادي، كنت أحمل في داخلي صورة هائلة للتغيير. كنت من الدفعة الأولى، وأول أخصائي عيادي في المنطقة الغربية آنذاك يحمل هذه الدرجة من جامعة تبوك وباشراف استاذي
@fmalanazi د.فلاح العنزي الذي ترك فينا من بصمات علمه الكثير. عدتُ وأنا أؤمن أن المعرفة وحدها قادرة على صنع الفارق، وأن السنوات التي قضيتها في التعلم لا بد أن تجد طريقها إلى الواقع.
في تلك الأيام، كان حضور الأخصائي النفسي العيادي في كثير من المنشآت الصحية محدوداً جداً ،كان التركيز الأكبر ينصب على القياس النفسي وبعض الجلسات الإرشادية بينما الممارسة العلاجية العيادية بمعناها الأعمق لا تزال تبحث عن موطئ قدم.
كنت شاباً متحمساً.. وربما حالماً أكثر مما ينبغي!
لذلك بدأت أكتب..
كتبت عن دور الأخصائي النفسي العيادي في المستشفيات العامة والتخصصية، وخضتُ نقاشات طويلة دفاعاً عن التخصص وحدوده المهنية ومسؤولياته. ثم كتبتُ كتابي الأول "الأخصائي النفسي العيادي: الطريق للممارسة" محاولاً الإجابة عن الأسئلة التي كنت أراها تتكرر أمام الممارسين الشباب. وتوالت بعد ذلك الكتب والأبحاث والمحاضرات، حتى أصبحت الكتابة جزءاً من هويتي المهنية، وجزءاً من علاقتي بهذا التخصص الذي أحببته.
ومع كل ذلك، كان يزورني سؤال بين الحين والآخر هل أحدثنا فرقاً حقيقياً؟
كنت أرى التغيير بطيئاً ومملاً، أبطأ بكثير مما تخيلته في سنوات حماس البدايات. وظننت لسنوات أن الأثر يقاس بما نطبعه على الورق وننشره، أو بما نضيفه لرفوف المكتبات.
لكن الأيام أصرت أن تعلمني شيئاً آخر.
علمتني أن أعظم الثمار هي تلك التي تنمو بعيداً عن أعيننا.
خلال هذه الرحلة الطويلة، مر عبر عيادتي وقاعات التدريب الكثير من الطلاب والمتدربين. بعضهم حضر لفترة قصيرة، وبعضهم رافقني سنوات. كنا نتناقش، ونتعلم، ونخطئ، ونعيد المحاولة. كنت أظن أنني ألقنهم مهنة، ولم أكن أدرك أنني في الحقيقة أشاركهم جزءاً من الحلم نفسه.
واليوم.. حين أنظر حولي، أرى كثيراً من أولئك الطلاب وقد أصبحوا أسماءً لامعة في مجالاتهم ويقودون برامج ويدربون أجيالاً جديدة، ويصنعون أثراً يتجاوز ما كنت أتوقعه لهم ولنفسي.
عندها فقط فهمت أن التغيير لا يسير دائماً في الطرق التي نرسمها له.
قد نكتب كتاباً فيقرؤه المئات ثم ينسى مع الوقت او مع صدور الجديد، وقد تلقي محاضرة تنتهي بانتهاء يومها. لكنك حين تساهم في بناء "إنسان"، فإنك تزرع فكرة حية قادرة على أن تعيش داخل إنسان آخر قادر على المساعدة، ثم تنتقل إلى آخرين من بعده. وهذا النوع من الأثر لا يمكن للمقاييس التقليدية أن تحصره أو تقيسه بسهولة.
اليوم، وبعد سنوات من العمل والكتابة والتدريب، لا أزعم أنني غيرت الواقع النفسي كما حلمت في بداية الطريق.
لكنني أستطيع أن أقول بثقة إنني رأيت بعض البذور التي زرعتها تكبر أمامي.
ولعل أجمل ما منحني الله إياه في هذا التخصص ليس الكتب التي كتبت، ولا المناصب التي تقلدت.. بل أولئك الذين مروا يوماً من هنا، ثم أكملوا الطريق كأثريمشي على قدمين.
ختاماً.
إلى كل طالب وطالبة، وكل متدرب ومتدربة شاركوني يوماً عيادة، أو نقاشاً، أو قاعة درس: شكراً لكم.🌷
إنني أنظر إليكم اليوم، لا كزملاء مهنة أوفياء فحسب، بل كسواعد طموحة تصنع الفارق في مسيرة تطور وطننا الغالي، وتسهم في بناء مجتمع صحي وحيوي. بكم وبأثركم الممتد في خدمة هذا الوطن أعتز وأفخر دائماً💐