عندما تغضّ صحافية شجاعة الطرف: العراق والخريطة نصف المرئية لدى إيفون ريدلي
كرم نعمة
لا أحد ممن يعرفون تاريخ الصحافية البريطانية إيفون ريدلي
@yvonneridley يشك لحظة في شجاعتها.
امرأة صنعت اسمها في الميدان، لا في المكاتب؛ عبرت الحدود الملتهبة، وواجهت الأنظمة، ودفعت ثمنًا شخصيًا لتكون شاهدة على المظلومين.
ولذلك، حين تكتب عن الأنظمة التي تحوّل الرأي المعارض إلى زنزانة، فإن كلماتها تحمل وزن التجربة لا رفاهية التحليل.
لكن في مقالتها الأخيرة عن “Cowards’ Playbook”، بدا أن شجاعتها توقفت عند حدود ما تراه بعين واحدة فقط.
فقد رأت تونس، ورأت باكستان، ورأت سوريا… لكنها لم ترَ
#العراق.
والتجاهل هنا ليس تفصيلاً، بل ثغرة أخلاقية لا تليق بتاريخها.
فالعراق، منذ عام 2003، لم يتحوّل إلى دولة فاشلة فحسب، بل إلى زنزانة كبيرة بطلاء ديمقراطي زائف صمّمه الأميركيون وسلّموه لأحزاب وميليشيات إيران الحاكمة.
زنزانة لا تحتاج إلى محاكمات صورية، لأن الاعتقال فيها لا يمرّ أصلًا عبر القضاء. بل إن القضاء نفسه أصبح جزءًا من آلة الإخفاء، لا من منظومة العدالة.
هل تدرك ريدلي أن مئات الآلاف من العراقيين مغيّبون قسرًا، بشهادة الأمم المتحدة؟
أُخذوا من الشوارع والبيوت والحواجز، ثم اختفوا. لا قبور، لا أسماء، لا أثر. وأسرهم تعيش منذ أكثر من عقد على أمل معرفة مصيرهم، بينما الدولة تتصرف كأنهم لم يوجدوا يومًا.
هل تعرف ريدلي عدد ضحايا
#ثورة_تشرين؟ هؤلاء الشباب الذين خرجوا بلا سلاح، بلا حزب، بلا غطاء، ليقولوا فقط: نريد وطنًا.
فكان الردّ: رصاص حي، قنّاصة، غازات محرّمة، وعمليات خطف وتعذيب.
أكثر من سبعمئة قتيل، آلاف الجرحى، ومئات المختطفين. ومع ذلك، لم تذكرهم ريدلي بكلمة.
وفي الوقت الذي تنتقد فيه أنظمة تسجن قادة سياسيين، هل تعلم ريدلي أن مجرد تغريدة في العراق قد تجرّ صاحبها إلى الاعتقال أو الاختفاء؟
تهمة جاهزة: “إساءة لرموز الدولة ومراجعها الطائفية”، “نشر الفوضى”، “تهديد السلم الأهلي”. وما بين الاعتقال والاختفاء، لا أحد يعرف أين ينتهي مصير الكاتب أو الصحافي. أو من يرفع صوته ضد لصوص الدولة.
أما المعارضة السياسية، التي تتأسف ريدلي على غيابها في دول أخرى، فهي في العراق كذبة رثّة.
فالعملية السياسية التي تديرها أحزاب وميليشيات
#إيران وضعت شروطها الحاسمة: إما أن تدخل اللعبة وفق قواعدها، أو تُقصى، أو تُهدد، أو تُسحق. لا توجد معارضة. هناك فقط أجنحة داخل السلطة تتصارع على الغنيمة.
إن تجاهل العراق لا يمكن تفسيره فقط باعتباره سهوًا صحفيًا، بل باعتباره نتيجة سردية دولية مريحة: سردية تُبقي العراق خارج دائرة الضوء لأنه يمثل الفشل الأكبر للمشروع الغربي في الشرق الأوسط. فالإشارة إلى تونس أو باكستان أو سوريا لا تُربك أحدًا في الغرب، ولا تُحرج أي مؤسسة سياسية كبرى. أما ذكر العراق، فيعني فتح ملف الاحتلال، وملف الميليشيات، وملف الدولة التي صُممت لتفشل. وهذا ما يجعل العراق “الاستثناء المحرج” الذي يفضّل كثيرون تجاوزه، ليس خوفًا من الحقيقة، بل خوفًا من تبعات الاعتراف بها. وهنا تكمن المفارقة: إن الصحافية التي واجهت جيوشًا وأنظمة، ترددت أمام مواجهة سردية سياسية صنعتها القوى الكبرى نفسها.
كما أن العراق يقدم نموذجًا فريدًا للقمع لا يشبه ما ذكرته ريدلي في مقالتها، وهو ما يجعل تجاهله أكثر خطورة. ففي تونس أو باكستان أو إدلب، القمع يُمارس من سلطة واحدة واضحة، يمكن تحديدها ومساءلتها. أما في العراق، فالقمع موزّع بين دولة رسمية عاجزة، وميليشيات تمتلك سلطة فعلية، وأجهزة أمنية متداخلة، وقضاء مُسيس، وإعلام مُدجّن. إنه قمع بلا مركز، بلا توقيع، بلا مسؤول مباشر. وهذا ما يجعل الضحية في العراق أكثر هشاشة، والصحافة أكثر استهدافًا، والعدالة أكثر استحالة. إن العراق ليس مجرد دولة تمارس القمع، بل بيئة كاملة صُممت بحيث يصبح القمع هو اللغة الوحيدة التي يفهمها النظام المليشياوي.
إن إسقاط العراق من قائمة الدول التي تمارس “جبن السلطة” — وفق وصف ريدلي — ليس مجرد سهو. إنه خلل في البوصلة الأخلاقية.
فالعراق اليوم ليس دولة تقمع معارضيها فحسب، بل دولة تبتلعهم. ليس دولة تسجن الأصوات، بل دولة تمحوها. ليس دولة تخاف من خصومها، بل دولة تخاف من ظلّها.
ولذلك، حين تكتب ريدلي عن الأنظمة التي تخاف من شعوبها، فإن العراق يجب أن يكون في الصفحة الأولى، لا في الهامش.
لأن ما يحدث فيه ليس قمعًا سياسيًا عابرًا، بل نظامًا ميليشياويا كاملًا بُني على الخوف، واستمر بالخوف، ويعيد إنتاج الخوف كل يوم.
نحن لا نشكك في نيتها، ولا في شجاعتها، ولا في تاريخها. لكننا نذكّرها بأن الشجاعة الحقيقية لا تكتمل إلا حين ترى الصورة كاملة، لا نصفها.
وأن العراق — بكل ما فيه من دم وغياب وخراب — ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه، بل الاختبار الأكبر لأي قلم يدّعي الدفاع عن المظلومين.
وإذا كانت ريدلي تريد أن تكتب عن الجبناء، فإن أكبر جبن سياسي في المنطقة اليوم هو ما يحدث في العراق بتواطؤ إقليمي ودولي…
حيث تحوّلت الديمقراطية إلى قناع، والدولة إلى زنزانة، والمواطن إلى رقم ينتظر دوره في قائمة لا نهاية لها.
نص المقال بالإنجليزية المنشور في
@MiddleEastMnt 👇
middleeastmonitor.com/202606…